صديق الحسيني القنوجي البخاري
108
فتح البيان في مقاصد القرآن
أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ تقرير لما قبله والخطاب . لكل من تتأتى منه الرؤية ، يقال : هام يهيم هيما وهيمانا . إذا ذهب على وجهه ، والهيام أن يذهب على وجهه من عشق وغيره ، وهو تمثيل كما في الكشاف ، والمعنى ألم تر أنهم في كل فن من فنون الكذب يخوضون ؛ وفي كل شعب من شعاب الزور يتكلمون ، فتارة يمزقون الأعراض بالهجاء ، وتارة يأتون من المجون بكل ما يمجه السمع ويستقبحه العقل ، وتارة يخوضون في بحر السفاهة والوقاحة ، ويذمون الحق ويمدحون الباطل ، ويرغبون في فعل المحرمات ويدعون الناس إلى فعل المنكرات ، كما تسمعه في أشعارهم من مدح الخمر والزنا واللواط ونحو هذه الرذائل الملعونة . كيف وأكثر مقدماتهم خيالات لا حقيقة لها ، وأغلب كلماتهم في التشبيب بالحرام والغزل والابتهار ، والقدح في الأنساب والطعن في الأحساب والوعد الكاذب ، والافتخار الباطل ، ومدح من لا يستحقه ؛ والإطراء فيه ، قاله البيضاوي ، وغيره ، وهذا من باب الاستعارة البليغة والتمثيل الرائع شبه جولانهم في أفانين القول بطريق المدح والذم والتشبيب وأنواع الشعر بهيام الهائم في كل وجه وطريق ، والهائم هو الذي يخبط في طريقه ولا يقصد موضعا معينا . والهائم العاشق ، والهيمان العطشان ؛ والهيام داء يأخذ الإبل من العطش ، وجمل أهيم ، وناقة هيماء والجمع فيهما هيم قال تعالى فشاربون شرب الهيم . قال ابن عباس في الآية : في كل لغو يخوضون ، وقيل : يمدحون بالباطل ويهجون بالباطل ، وقيل : إنهم يمدحون الشيء ثم يذمونه لا يطلبون الحق والصدق ؛ فالوادي مثل لفنون الكلام وطرقه ، والغوص في المعاني والقوافي ثم قال سبحانه : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ أي يقولون فعلنا وفعلنا ، وهم كذبة في ذلك ألجأهم إليه الفن الذي سلكوه ، فقد يحثون بكلامهم على الكرم والخير ، ولا يفعلونه وقد ينسبون إلى أنفسهم من أفعال الشر ما لا يقدرون على فعله ، كما تجده في كثير من أشعارهم من الدعاوى الكاذبة ، والزور الخالص المتضمن لقذف المحصنات ، وأنهم فعلوا بهن كذا وكذا وذلك كذب محض وافتراء بحت ثم استثنى سبحانه الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم تحرّي الحق والصدق ، وكانوا يجيبون شعراء الكفار ويهجون وينافحون عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه فقال : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي دخلوا في حزب المؤمنين ، وعملوا بأعمالهم الصالحات وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً في اشعارهم ولم يشغلهم الشعر عن ذكر اللّه كابن رواحة ، وحسان بن ثابت ، وكعب بن مالك وكعب بن زهير رضي اللّه تعالى عنهم . وعن عروة ، قال : لما نزلت والشعراء إلى قوله ما لا يفعلون ، قال عبد اللّه بن